أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

313

شرح مقامات الحريري

الأصمعي : ما أعلم أحدا من العشاق شكا أحسن من شكوى ذي الرّمة ، مع عفّة وعقل . أبو عبيدة : يخبر ذو الرّمة فيحسن الخبر ، ثم يردّ على نفسه فيحسن الرّد ، ثم يعتذر فيحسن التخلص . مع حسن إنصاف في الحكم وعفاف . وقال ذو الرّمة : من شعري ما ساعدني فيه القول ومنه ما أجهدت نفسي فيه ، ومنه ما جننت فيه جنونا ، فأما الذي طاوعني فيه القول فقولي : [ الطويل ] خليليّ عوجا في صدور الرواحل * بجمهور حزوى فابكيا في المنازل « 1 » لعلّ انحدار الدمع يعقب راحة * من الوجد أو يشفي نجيّ البلابل وأما ما أجهدت نفسي فيه فقولي : [ البسيط ] أأن توسّمت من خرقاء منزلة * ماء الصبابة من عينيك مسجوم « 2 » كأنها بعد أحوال مضين لها * بالأشيمين يمان فيه تسهيم وأما الذي جنت فيه جنونا فقولي : [ البسيط ] ما بال عينك منها الماء ينسكب * كأنه من كلى مفرية سرب « 3 » براقة الجيد واللبّات واضحة * كأنها ظبية أفضى بها لبب زين الثياب وإن أثوابها استلبت * فوق الحشية يوما زانها السلب إذا أخو لذة الدنيا تبطّنها * والبيت فوقهما بالستر محتجب ساقت بطيّبة العرنين مارنها * بالمسك والعنبر الهنديّ مختضب لمياء في شفتيها حوّة لعس * وفي اللّثات وفي أنيابها شنب كحلاء في برج ، بيضاء في دعج * كأنها فضة قد زانها ذهب وهذه القصيدة من المطولات التي نيّفت على المائة وربعها ، وتصرّف فيها ما شاء من أوصاف الأطلال والديار والثور والحمار والكلاب والظبي وغير ذلك . وفي خلال ذلك يأتي بتشبيهات بديعات ، وهو أشعر الشعراء الإسلاميين في التشبيه . وكان يقول : إذا قلت « كأنّ » فلم أجد مخرجا فقطع اللّه لساني .

--> ( 1 ) البيتان في ديوان ذي الرمة ص 295 . ( 2 ) البيتان في ديوان ذي الرمة ص 371 ، والخصائص 2 / 11 ، والصاحبي في فقه اللغة ص 53 ، ولسان العرب ( رسم ) ، ( عنن ) ، ( عين ) ، ومجالس ثعلب ص 101 ، ويروى « أعن ترسّمت » بدل « أأن توسّمت » . ( 3 ) الأبيات في ديوان ذي الرمة ص 9 ، والبيت الأول في لسان العرب ( سرب ) ، ( غرف ) ، ( عجل ) ، ومقاييس اللغة 3 / 155 ، والمخصص 7 / 128 ، وبلا نسبة في تهذيب اللغة 12 / 415 .